هناك مواقف في حياة الإنسان تبقى
محفورة في القلب، ليس بسبب حجم المساعدة فقط، وإنما بسبب توقيتها، وبسبب شعورك بأن
شخصًا ما وقف إلى جانبك عندما كنت في أمسّ الحاجة إليه.
أتذكر يوم كنت في الغربة، وكنت أمرّ
بظرف مالي صعب، فاتصلت بالسيد أحمد بزيد ولد الشيخ محمد المامي، رئيس جهة نواذيبو.
لم أكن أتوقع أن يكون جوابه كما كان، لكن موقفه فاق كل توقعاتي، وساهم في حل
مشكلتي في وقت كنت بحاجة حقيقية إلى من يقف معي.
ولذلك، مهما مرت الأيام وتغيرت الظروف،
سيبقى هذا الموقف في ذاكرتي، وسأظل أذكره بكل محبة وتقدير. فالجميل لا يُقاس
بقيمته المادية، وإنما بقيمته في قلب من تلقّاه وقت الحاجة.
في تلك الفترة، كنت قد اتصلت أيضًا
بعدد من الأشخاص الذين كانت تربطني بهم علاقات مختلفة؛ سياسية أو اجتماعية أو
إنسانية، وبعضهم كانت تجمعني به مواقف وعلاقات قديمة، بل إنني كنت قد وقفت إلى
جانب بعضهم في أوقات احتاجوا فيها إلى من يقف معهم.
ولعل أكثر ما آلمني لم يكن عدم
المساعدة في حد ذاته، وإنما أن بعض من كنت أظن أن بيننا من المودة والوفاء ما يكفي
لاتصال واحد أو كلمة طيبة، لم أجد منهم حتى ذلك.
ومع ذلك، لا أحمل في قلبي حقدًا على
أحد. فالشدائد لا تجعلني أكره من لم يقف معي، لكنها تجعلني أعرف قيمة من وقف معي.
وأذكر بكل تقدير أيضًا الأخ حيمود ولد
الخوماني، ممثل شركة اسنيم في نواكشوط، الذي كان وقتها في رحلة طبية، ومع ذلك أراد
أن يساعدني. لكنني رفضت مساعدته تقديرًا لظرفه الصحي، واكتفيت بالدعاء له بالشفاء
والصحة والعافية.
اليوم، لا أريد أن أعدد من لم يساعدني،
بل أريد أن أتوقف عند من مدّ لي يده، ومن فكر في مساعدتي، ومن كانت نيته صادقة.
للسيد أحمد بزيد ولد الشيخ محمد
المامي: شكرًا من القلب. قد تنتهي الأزمة، وقد تنسى تفاصيلها، لكن موقفك في ذلك
الوقت سيبقى شاهدًا على معدن طيب لا أنساه.
ولحيمود: جزاك الله خيرًا على نيتك
الطيبة، وأسأل الله أن يشفيك ويعافيك.
وأما أنا، فسأظل أؤمن بأن أجمل ما يمكن
أن يحمله الإنسان معه في هذه الحياة هو الوفاء لمن أحسن إليه، وعدم نسيان من وقف
معه يوم احتاج إليه.
فالشدّة لا تغيّر الناس، وإنما تكشف
لنا حقيقة ما كان مخفيًا في القلوب.
ومن باب الإنصاف والوفاء، أقول إن موقف
السيد أحمد بزيد ولد الشيخ محمد المامي لم يفاجئني كثيرًا عندما تذكرت أصله ونشأته.
فهو حفيد الولي التقي النقي، المعروف
بالبذل والإنفاق في سبيل الله، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. ولذلك لا أستغرب أن
نجد في أحمد بزيد هذا الحس الإنساني، وهذه الشهامة، وهذا الاستعداد للوقوف مع من
يحتاج إلى المساعدة.
فالكرم الحقيقي لا يكون مجرد موقف
عابر، وإنما هو قيم يتربى عليها الإنسان، وقد يرثها عن آبائه وأجداده سيرةً
وسلوكًا ومواقف.
يب عالي جالو


Commentaires
Enregistrer un commentaire